يرى الكاتب روبن رايت أن الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تفتح مرحلة شديدة الخطورة في الشرق الأوسط، في ظل غياب رؤية واضحة لنهاية الصراع. ويشير إلى أن العداء بين واشنطن وطهران يمتد منذ الثورة الإيرانية عام 1979، حين اعتبرت الولايات المتحدة النظام الإيراني خصمًا دائمًا بسبب عملياته السرية ونفوذه المتوسع عبر حركات مسلحة في المنطقة.


ويذكر تقرير نشرته مجلة ذا نيويوركر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعيان إلى إسقاط النظام الإيراني سياسيًا وعسكريًا عبر حرب يصفها التقرير بأنها مغامرة خطيرة لا تحمل خطة واضحة لما سيحدث بعدها.


حرب مكلفة وضربات عسكرية واسعة


أطلقت واشنطن عملية عسكرية واسعة أطلقت عليها اسم “الغضب الملحمي”، ودفعت خلالها نحو نصف القوة الجوية الأمريكية وما يقارب ثلث الأصول البحرية إلى ساحة الصراع. ويقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تكلفة العمليات العسكرية بنحو 900 مليون دولار يوميًا.


وخلال الأسبوع الأول من الحرب نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات مكثفة شبيهة بحملة “الصدمة والرعب” التي رافقت غزو العراق عام 2003. وأسفرت تلك الضربات عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد كبير من كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين.


كما ألحقت الهجمات أضرارًا كبيرة بترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية ودمرت منشآت استراتيجية عديدة. وتعرضت البحرية الإيرانية لضربة قوية بعدما أغرقت غواصة أمريكية سفينة حربية إيرانية في المحيط الهندي، في أول عملية من هذا النوع منذ الحرب العالمية الثانية.


وأكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث أن الهجمات ستتواصل على نطاق أوسع، مشيرًا إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية تتآكل بسرعة. لكن الرئيس ترامب أرسل إشارات متناقضة؛ إذ دعا الإيرانيين إلى الانتفاض ضد النظام الديني الحاكم، وفي الوقت نفسه أعلن استعداده للتعامل مع قيادة دينية جديدة.


احتمالات سقوط النظام تبدو محدودة


شهدت إيران موجات احتجاج واسعة منذ عام 2017 شارك فيها ملايين المواطنين، وسقط خلالها عشرات الآلاف من الضحايا. ورغم استمرار الغضب الشعبي تجاه الحكومة، لا تبدو احتمالات اندلاع انتفاضة واسعة في الوقت الحالي مرتفعة.


يواجه الإيرانيون اليوم أولوية إعادة تنظيم حياتهم وسط الدمار والحرب. كما أدت الضربات الأجنبية إلى إحياء شعور قومي قوي داخل المجتمع الإيراني، وهو ما يعزز تماسك الدولة في مواجهة التدخل الخارجي.


كذلك تبدو احتمالات انضمام قوات الأمن الإيرانية إلى أي تمرد شعبي محدودة. فالقوات الأمنية والعسكرية الإيرانية تضم أكثر من مليون عنصر بين جنود نظاميين وقوات احتياط، وتتمتع بهيكل تنظيمي قوي يضمن استمرار النظام في أوقات الأزمات.


تصعيد إقليمي واضطراب اقتصادي عالمي


هزت الحرب النظام الدولي الذي يعاني أصلًا من اضطرابات متزايدة. وتخشى دول كثيرة تكرار سيناريو الحروب الأمريكية الطويلة في العراق وأفغانستان، والتي تحولت إلى صراعات مكلفة ومعقدة.


وتختلف إيران عن تلك الدول من حيث الحجم والتأثير الجيوسياسي. فمساحتها وسكانها يتجاوزان مجموع العراق وأفغانستان، كما تقع عند تقاطع ثلاث مناطق استراتيجية: الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وجنوب آسيا. وتملك إيران احتياطيات ضخمة من النفط والغاز إضافة إلى أكبر جيش في الشرق الأوسط ونفوذًا واسعًا داخل المجتمعات الشيعية في العالم الإسلامي.


وأبدت طهران قدرة على الرد رغم الضربات القوية. فأطلقت صواريخ وطائرات مسيّرة على سبع دول حليفة لواشنطن في المنطقة، من العراق إلى السعودية وعُمان. واستهدفت الهجمات مطارات دولية وفنادق وموانئ ومنشآت طاقة.


كما أصابت بعض الضربات مواقع حساسة مثل السفارة الأمريكية في الرياض والقنصلية في دبي وقاعدة العديد الجوية في قطر ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.


وفي إسرائيل اخترقت بعض الصواريخ الإيرانية منظومة القبة الحديدية، ودوت صفارات الإنذار مرارًا في تل أبيب والقدس. وأصابت الضربات عشرات المباني بينها قاعدة جوية عسكرية، بينما فتح حزب الله جبهة ثانية ضد إسرائيل من لبنان.


وأدى اتساع نطاق الرد الإيراني إلى دفع حلفاء واشنطن المترددين إلى المشاركة في الحرب. فقد أعلنت فرنسا وألمانيا وبريطانيا استعدادها لحماية مصالحها في المنطقة، بينما نشرت بريطانيا طائرات مقاتلة في قطر. وأرسلت اليونان مقاتلات إلى قبرص بعد هجوم بطائرة مسيّرة، كما تعهدت إيطاليا بتقديم أنظمة دفاعية لدول الخليج.


وبحلول نهاية الأسبوع الأول شاركت سبع عشرة دولة في الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر. وبعد وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا العام الماضي، طلبت واشنطن من كييف تقديم خبرتها في مواجهة الطائرات الإيرانية المسيّرة التي تستخدمها روسيا.


كما هزت الحرب الاقتصاد العالمي. فقد تراجعت أسواق الأسهم وارتفعت أسعار النفط بنحو 15 في المئة بعدما أغلقت إيران فعليًا مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز في العالم. وأوقفت السعودية مؤقتًا عمل مصفاة رأس تنورة، إحدى أكبر المصافي العالمية، بعد هجوم بطائرة مسيّرة، بينما علّقت قطر إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال.


ورغم الخسائر العسكرية الكبيرة ما تزال إيران تملك أوراق ضغط مهمة. ويرى بعض المحللين أن بقاء النظام الإيراني بعد هذه الحرب سيعد انتصارًا بحد ذاته حتى مع تراجع قوته العسكرية.


وتحذر خبيرة إيران سوزان مالوني من أن الحرب قد تترك نسخة ضعيفة ومجروحة من الجمهورية الإسلامية، لكنها قد تبقى قائمة بقيادة مسؤولين أكثر تشددًا وإصرارًا على التمسك بالسلطة.


وفي خضم هذه التطورات يجتمع مجلس خبراء القيادة في إيران لاختيار مرشد أعلى جديد. وأثار ترامب جدلًا عندما قال إنه يريد المشاركة في الموافقة على المرشح الجديد، رافضًا ترشيح مجتبى خامنئي نجل المرشد الراحل.


ويرى مراقبون أن المجلس قد يختار شخصية متشددة للحفاظ على نهج النظام واستمراريته. وفي الوقت نفسه يجد نحو 92 مليون إيراني أنفسهم عالقين بين حرب دامية ونظام سياسي يواجه أكبر اختبار في تاريخه.

 

https://www.newyorker.com/magazine/2026/03/16/where-is-the-iran-war-headed